يضعنا إنجيل هذا الأحد أمام مرآة روحية قد تكون صادمة، لأنّه يكشف مرضًا خفيًا يمكن أن يتسلّل حتى إلى قلب المؤمن التقي: مرض الحسد الروحي. إنه ذلك الضيق الذي نشعر به عندما نرى الله يغدق نعمته على الآخرين، وتلك المرارة الخفية التي تجعلنا نقارن أنفسنا بإخوتنا بدل أن نفرح بخلاصهم. ومن خلال مثل العمّال في الكرم، يدعونا يسوع إلى فحص قلوبنا، لنسأل أنفسنا: هل نفرح حقًا بسخاء الله، أم ننزعج عندما تشمل رحمته مَن نعتقد أنهم أقل استحقاقًا منا؟
يروي لنا الرب يسوع قصة صاحب كرم خرج مرارًا خلال النهار ليدعو عمّالًا إلى العمل في كرمه. خرج عند الفجر، ثم في الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة، وحتى في الساعة الحادية عشرة. وعندما جاء المساء، أعطى الجميع الأجرة نفسها. عندئذٍ بدأ الذين عملوا منذ الصباح بالتذمّر، لأنهم رأوا أن الذين عملوا ساعة واحدة فقط نالوا مثلهم.
لكن إذا تأملنا جيدا في المثل، نكتشف أن أحدا لم يتعرّض للظلم. فصاحب الكرم لم ينقص من أجر العمال الأوائل شيئا، بل أعطاهم تماما ما اتفق عليه معهم. المشكلة لم تكن في العدالة، بل في الكرم. لم يتألّموا لأنهم خسروا شيئا، بل لأن الآخرين ربحوا. وهنا يكشف يسوع الحقيقة المؤلمة: أحيانا لا نحزن بسبب نقص الخير في حياتنا، بل بسبب الخير الذي نراه في حياة غيرنا.
وكأن صاحب الكرم يتوجّه إلى كل واحد منا قائلا: “يا ابني، لقد أعطيتك كل ما وعدتك به، فلماذا تنشغل بما أعطيه للآخرين؟ لماذا يتحوّل كرمي إلى سبب مرارة في قلبك بدل أن يكون سبب فرح؟ أليس الأجدر بك أن تفرح لأن أخاك وجد مكانا له في كرمي كما وجدتَ أنت؟“
هذا هو الحسد الروحي. ليس هو الرغبة فيما يملكه الآخرون من أموال أو ممتلكات، بل الضيق من النعم التي يمنحها الله لهم. إنه مرض الأخ الأكبر في مثل الابن الضال، الذي لم يستطع أن يفرح بعودة أخيه. كان واقفًا أمام بيت مليء بالموسيقى والفرح، لكنه بقي خارجا لأن قلبه كان أسير المقارنة. لقد رأى كرم أبيه كإهانة له بدل أن يراه سببا للفرح.
وكم من مرة نقع نحن أيضًا في هذا الفخ! عندما نرى شخصًا عاد إلى الكنيسة بعد سنوات من البعد ويحظى باحتضان الجماعة، أو عندما نرى خاطئًا يتوب وينال سلامًا داخليًا، أو عندما يعمل الله بقوة في حياة إنسان لم يكن يومًا قريبًا منه. بدل أن نمجّد الرب على عمل نعمته، قد يتسلل إلى قلوبنا سؤال خفي: لماذا هو؟ ولماذا الآن؟
إن أصل هذا المرض يكمن في فهم خاطئ لعلاقتنا بالله. فنحن أحيانا نحوّل الحياة الروحية إلى نوع من التجارة. نصلي، ونصوم، ونخدم، ونحتمل المشقات، ثم ننتظر مكافأة خاصة لأنفسنا. وكأننا نقول لله: لقد فعلت ما عليّ، والآن حان دورك لتكافئني أكثر من غيري.
لكن الإنجيل يرفض هذا المنطق بالكامل. فالله ليس رب عمل يدفع أجورا بحسب عدد الساعات، بل أبٌ يحب أبناءه. والخلاص ليس راتبا نكتسبه بجهودنا، بل عطية مجانية يمنحها الله بدافع محبته. إن النعمة لا تُشترى ولا تُستحق، بل تُقبل بشكر واتضاع.
ولكي نفهم عمق هذه الحقيقة، يكفي أن ننظر إلى القديس ديماس، اللص الصالح. لقد أمضى حياته بعيدا عن الله، ولم يعرف طريق القداسة ولا طريق البر. ومع ذلك، في اللحظات الأخيرة من حياته، وهو معلّق على الصليب بجانب يسوع، اعترف بخطيئته والتفت إلى المخلّص قائلا: “اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك.”
ماذا كان يملك ديماس ليقدّم؟ لم تكن لديه أعمال بطولية، ولا سنوات من الصلاة، ولا سجل طويل من الفضائل. كان يملك فقط قلبا تائبا. ومع ذلك فتح له يسوع أبواب الفردوس قائلا : “اليوم تكون معي في الفردوس”.
إن كان في قلوبنا حسد روحي، فقد نشعر بانزعاج أمام هذا المشهد. قد نسأل في أعماقنا: كيف ينال هذا الإنسان الخلاص بعد حياة طويلة من الضياع؟ لكن هذا السؤال يكشف أننا لم نفهم بعد قلب الإنجيل. فالحياة مع الله منذ البدايات ليست عبئًا نتحمله حتى نصل إلى المكافأة، بل هي المكافأة نفسها. أن نعيش بالقرب من الرب، وأن نختبر حضوره ومحبته وسلامه، هو أعظم عطية يمكن أن ينالها الإنسان.
أما الذين يصلون في الساعة الأخيرة، فقد أمضوا سنوات طويلة بعيدين عن هذا النور. عاشوا في ظلمة الخطيئة ومرارة البعد ووحدة القلب. لذلك لا يوجد ما يدعو إلى حسدهم، بل إلى الفرح من أجلهم. فالسماء نفسها تفرح بخاطئ واحد يتوب، فكيف لا نفرح نحن؟
أيها الأحباء، الحسد الروحي يجعلنا ننظر إلى الآخرين أكثر مما ننظر إلى الله. يجعلنا نحسب الفضائل ونقارن النعم ونقيس الاستحقاقات. أما المحبة فتنظر إلى كل نعمة يمنحها الله للآخرين كسبب إضافي للتسبيح والشكر.
وأمام هذه المائدة المقدسة، لا يستطيع أحد أن يدّعي الاستحقاق. فالواقع أننا جميعا عمال الساعة الحادية عشرة. قد تختلف قصصنا وسنوات مسيرتنا، لكن أحدا منا لم يستحق الدعوة، وأحدا منا لا يملك حقا مكتسبا على الله. كل ما نملكه هو رحمته التي سبقتنا، ونعمته التي حملتنا، ومحبته التي لا تزال تدعونا يوما بعد يوم.
لذلك فلنرفع قلوبنا اليوم بالصلاة قائلين:
يا رب، حرّرنا من سمّ المقارنة ومن روح الإدانة. أعطنا عينًا بسيطة تفرح بخير الآخرين كما تفرح بخيرها. انزع من قلوبنا كل حسد وكبرياء، وعلّمنا أن نمجّد رحمتك أينما ظهرت. اجعلنا نفرح بكل خاطئ يتوب، وكل بعيد يعود، وكل إنسان تلمسه نعمتك. وليكن فخرنا الوحيد أنك دعوتنا إلى كرمك وأحببتنا قبل أن نستحق شيئا. آمين.