النيابة البطريركية اللاتينية في الأردن

قداس العذراء أمّ الشباب، بيت اللقاء، مادبا

أيها الأحباء،
كم هو جميل أن نجتمع اليوم تحت رعاية العذراء أمّ الشباب، ونحن نحمل في قلوبنا ما يملأ حياة الشباب من أحلام وأسئلة وطموحات، وربما أيضًا بعض المخاوف والخيبات والقلق على المستقبل.
فنحن نعيش في زمن سريع جدًا. كل يوم تظهر أفكار جديدة، ونصائح جديدة، وترندات جديدة تخبركم كيف تعيشون، وكيف تنجحون، وكيف تصبحون سعداء. وبين كل هذه الأصوات، قد يصعب أحيانًا أن نعرف أي صوت يستحق أن نصغي إليه.
لكن كلمة الله اليوم تدعونا إلى الإصغاء لصوت مختلف. ليس صوتًا يصرخ، بل صوت الحكمة. تلك الحكمة التي لا تعدنا بحياة سهلة، لكنها تقودنا إلى حياة حقيقية. يقدّم لنا سفر يشوع بن سيراخ صورة رائعة للحكمة. فهو لا يتحدث عنها كفكرة أو كتاب أو مجموعة معلومات، بل كشخص يرافق الإنسان في الطريق. كأن الحكمة تمشي معنا، وتشجعنا، وتصحح مسارنا، وتساعدنا على أن نصبح الأشخاص الذين خلقنا الله لنكونهم.


ويقول النص إن الحكمة تعتني بأبنائها وترفع شأن الذين يطلبونها. وهذا يذكّرنا بأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى المعرفة، بل إلى الحكمة. فالمعرفة تخبرنا ماذا نفعل، أما الحكمة فتعلّمنا لماذا نفعل ذلك وكيف نعيشه بمحبة وإيمان.
أحبائي الشباب، ربما لاحظتم أن من أكثر العبارات انتشارًا في الفترة الأخيرة على مواقع التواصل عبارة: “أنقذ نفسك”.
أنقذ نفسك من العلاقات المتعبة. أنقذ نفسك من الضغوط. أنقذ نفسك من الأشخاص السلبيين. أنقذ نفسك من كل ما يزعج راحتك. ولا شك أن في هذا الكلام جانبًا صحيحًا، لأن الله لا يريد لأحد أن يعيش في الإهانة أو الاستغلال أو العبودية.
لكن الإنجيل يدعونا اليوم إلى التوقف وطرح سؤال أعمق: هل إنقاذ النفس يعني دائمًا الهروب؟


هنا تأتي الحكمة التي يتحدث عنها ابن سيراخ. فالحكمة لا تقول لنا إن الطريق سيكون سهلًا. بل تقول لنا: ستواجهون تحديات، وستمرون بلحظات تعب وحيرة، لكن لا تخافوا. فهذه التجارب لا تأتي دائمًا لتحطمكم، بل أحيانًا لتصنع منكم أشخاصًا أقوى وأنضج وأجمل.
ثقافة الترند تقول: إذا أتعبك شيء، اتركه. أما الحكمة فتقول: إذا أتعبك شيء، اسأل أولًا: هل يؤذيني فعلًا أم يساعدني على النمو؟ فالطالب لا يحقق حلمه بالهروب من الامتحان. والرياضي لا يصل إلى الإنجاز بالهروب من التدريب. والموسيقي لا يتقن العزف بالهروب من التمرين. وكذلك المؤمن لا ينضج بالهروب من كل صعوبة.


نعم، هناك أمور يجب أن نهرب منها دون تردد: الخطيئة، والإدمان، والعنف، والكراهية، وكل ما يبعدنا عن الله. لكن هناك أشياء لا يمكن تجاوزها إلا بالمواجهة: مواجهة الكسل. مواجهة الخوف. مواجهة الفشل. مواجهة الإحباط. مواجهة الأنانية داخل قلوبنا.
كم من شاب تخلّى عن حلمه لأنه كان صعبًا. وكم من شابة فقدت ثقتها بنفسها بعد أول فشل. وكم من شخص انسحب من دعوته أو رسالته لأنه ظن أن الطريق الصعب يعني أن الله أغلق الباب. لكن الحكمة تقول لنا اليوم: لا تبحث عن الطريق الأسهل، بل عن الطريق الذي يقودك إلى الحياة.


فليس كل ما هو سهل مفيدًا. وليس كل ما هو صعب سيئًا. حتى يسوع نفسه لم يختر الطريق الأسهل. لم يهرب من الصليب، بل سار فيه بثقة، لأنه كان يرى ما وراء الألم: القيامة والحياة الجديدة.
لذلك عندما تسمعون عبارة: “أنقذ نفسك”، فلا تجعلوا معناها: كيف أتهرب؟ بل: كيف أنمو؟ كيف أتغير؟ كيف أحقق الدعوة التي وضعها الله في قلبي؟ أنقذ نفسك من اليأس، لا من الرجاء. أنقذ نفسك من الخطيئة، لا من المسؤولية. أنقذ نفسك من اللامبالاة، لا من المحبة. أنقذ نفسك من الحياة السطحية، لا من التضحيات التي تجعل حياتك ذات معنى.


أيها الأحباء، قبل أن ننهي هذه التأملات، أدعو كل واحد منكم أن يحمل معه ثلاث أفكار بسيطة هذا الأسبوع: أولًا: اطلب الحكمة قبل أي قرار. قبل أن تختار، وقبل أن ترد، وقبل أن تحكم على الأمور، قل: “يا رب، أرني ما تراه أنت.”
ثانيًا: لا تخف من التجارب. فبعض ما يزعجك اليوم قد يكون الدرس الذي سيصنع منك إنسانًا أقوى غدًا.
ثالثًا: لا تستسلم بسرعة. فالأحلام الجميلة تحتاج صبرًا، والعلاقات الجميلة تحتاج نضجًا، والقداسة تحتاج مثابرة.

أيها الأعزاء،

الله لا ينظر إليكم كما تنظرون أحيانًا إلى أنفسكم، بل يرى في كل واحد منكم مشروع قديس، ومشروع قائد، ومشروع نور للآخرين. لذلك لا تخافوا من الطريق عندما تصبح صعبة، بل تمسكوا بالمسيح أكثر. فمعه لا تضيع الخطوات، ولا تضيع الأحلام، ولا تضيع الحياة.
فطوبى لمن يسير مع حكمة الله، لأن تعب اليوم سيصبح قوة غدًا، ودموع الطريق ستتحول يومًا إلى فرح، ومن يثق بالرب لن يخيب رجاؤه أبدًا.
آمين.