
أيها الأحباء في المسيح،
المسيحي يعلم أن في العالم شرًا وظلمًا وقوى ظلام، لكنه يؤمن أيضًا أن المسيح قد غلب العالم، وأننا مدعوون مع المسيح في مواجهة كل شر. وكما يوصينا الرسول بولس: “لا يغلبنّك الشر، بل اغلب الشر بالخير” (رومة 12: 21). فالشر يظهر في الإرهاب، وفي تكفير الآخر، وفي سفك دماء الأبرياء، وفي كل اعتداء على كرامة الإنسان الذي خلقه الله على صورته ومثاله.
نجتمع اليوم وقلوبنا مثقلة بالألم أمام هذه الفاجعة التي أصابت أبناءنا وإخوتنا وأخواتنا وهم مجتمعون للصلاة. نبكي شهداءنا، ونرفع صلواتنا من أجل الجرحى، ونحيط عائلات الضحايا بمحبتنا وتضامننا وقربنا الروحي.
في هذه اللحظات القاسية قد تتزاحم في داخلنا مشاعر الخوف والغضب والحيرة، لكننا كمؤمنين نتمسك برجائنا بالله الذي لا يترك أبناءه في ساعة المحنة. فهو الإله الذي يقترب من المتألمين، وكما يقول الكتاب المقدس: “الرب قريب من منكسري القلوب ويخلّص المنسحقي الروح” (مز 34: 18). لذلك نؤمن أنه حاضر اليوم مع كل أم تبكي، ومع كل أب مكسور القلب، ومع كل جريح يتألم، ومع كل إنسان أثقلت هذه الفاجعة روحه.
إن الاعتداء على أبنائنا المصلين هو اعتداء على قدسية الحياة الإنسانية، وعلى الحق في الصلاة والعبادة، وعلى القيم التي تجمع البشر في المحبة والاحترام. ونحن نرفض العنف بكل أشكاله، ونؤكد أن الشر لا يُهزم بشر أكبر منه، بل بالحق والعدالة والمحبة التي علّمنا إياها المسيح.
واليوم أود أن أوجّه كلمة خاصة إلى شبابنا. أنتم لا تواجهون فقط جرح هذه المأساة، بل تواجهون أحيانًا، في الشارع والمدرسة والجامعة ومواقع التواصل، أفكارًا تزرع الكراهية وتكفّر الآخر وتبرر العنف. لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن الله يُمجَّد بإهانة الإنسان أو بنظرة تعصب أو بسفك دم الأبرياء.
لا تخافوا أن تعلنوا هويتكم وإيمانكم. لا تسمحوا لأحد أن يجعلكم تشعرون أنكم غرباء في وطنكم أو أقل شأنًا من غيركم. أنتم أبناء هذه الأرض وهذا الوطن، وجذوركم فيها عميقة، وقد ساهمنا، مع آبائكم وأجدادكم، في بنائها وخدمتها، وستواصلون أنتم هذه الرسالة.
وإذا سمعتم من يقول إن الله يريد الموت، أو يستثني أحدًا، فقولوا له إن الله يريد الحياة. وإذا سمعتم من يبرر القتل باسم الدين، فقولوا له إن الله لا يفرح بدم الأبرياء. وإذا حاول أحد أن يزرع الخوف في قلوبكم، فتذكروا كلمات السيد المسيح: “لا تخف أيها القطيع الصغير”.
ارفعوا رؤوسكم عاليًا، وتمسكوا بإيمانكم، وأحبوا وطنكم، وواصلوا الدراسة والعمل والخدمة والعطاء. لا تسمحوا للإرهاب أن ينتصر مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بزرع الخوف في النفوس. “طوبى لصانعي السلام، فإنهم أبناء الله يُدعَون” (متى 5: 9). فكونوا أنتم صانعي سلام، وبناة رجاء، وشهودًا للمحبة في زمن يحتاج إلى نور أكثر من أي وقت مضى.
أما نحن جميعًا، فلسنا مدعوين إلى الاستسلام للخوف، بل إلى الثبات في الإيمان والوحدة والرجاء. لن ندع الرصاص يسرق منا السلام، ولن ندع الكراهية تجد مكانًا في قلوبنا. سنبقى شهودًا للمحبة ورسلاً للسلام وأمناء للرسالة التي ائتمننا عليها المسيح. وسنبقى، مع جميع أبناء وطننا، نبني هذا الوطن ونخدمه ونضحي من أجله، لأننا نؤمن أن المحبة أقوى من الكراهية، وأن الحياة أقوى من الموت.
فلنرفع صلاتنا من أجل شهدائنا، طالبين لهم الرحمة والراحة الأبدية في ملكوت السماوات، ومن أجل عائلاتهم أن يمنحها الرب التعزية والقوة والإيمان. ولنصلِّ من أجل الجرحى كي يهبهم الشفاء، ومن أجل وطننا والعالم أجمع، لكي يسود السلام وتنتصر إنسانية الإنسان على كل عنف وكراهية.
يا ربنا وإلهنا، بين يديك نضع شهداءنا الذين رحلوا ضحية العنف والكراهية. استقبلهم في نور وجهك، وامنحهم الراحة الأبدية في ملكوتك.
عزِّ العائلات المكلومة، واشفِ الجرحى، وامنح القوة لكل قلب منكسر. كن قريبًا من المتألمين، واملأ قلوبنا بسلامك الذي لا يستطيع العالم أن يمنحه.
احفظ كنيستك ثابتة في الإيمان، وبارك وطننا وأبناءه جميعًا، وانزع من عالمنا روح العنف والكراهية، واجعلنا أدواتٍ لسلامك ونورك.
يا مريم العذراء، أم الرجاء، اشفعي من أجلنا.
ولتسترح نفوس شهدائنا بسلام، ولينزل سلامك على قلوبنا ووطننا والعالم أجمع. آمين.
+ المطران إياد الطوال
جميع الوسائط والمحتويات ملكٌ للبطريركية اللاتينية، وهي مخصصة للاستخدام الإعلامي العام. © 2026 البطريركية اللاتينية – الأردن.