النيابة البطريركية اللاتينية في الأردن

عظة عيد انتقال السيدة العذراء وتكريس راهبات الوردية / عمان بيت الزيارة

أيها الإخوة والأخوات الأحباء،

نحتفل اليوم بعيد انتقال السيدة العذراء بالنفس والجسد إلى السماء، ونحتفل أيضًا بتكريس أخواتنا العزيزات للحياة الرهبانية. وقد يبدو أن أمامنا حدثين مختلفين، لكنهما في الحقيقة يلتقيان في سؤال واحد يشغل الإنسان منذ القديم وحتى يومنا هذا: ما معنى أن أكون إنسانا؟ إن عالمنا اليوم يبحث كثيرًا عن هدف الإنسان. فالبعض يراه في النجاح، والبعض في المال، والبعض في النفوذ أو الشهرة أو اللذة. ومع كل التقدم بكل أنواعه الذي حققه الإنسان، يبقى السؤال قائمًا في أعماقه: من أنا؟ وفي رسالة قداسة البابا الأخيرة، يعطي لقبا يدل على الكثير عندما يقول في عنوانها: الإنسانية الرائعة.

فالإنسان لا يفهم نفسه إلا إذا عاد إلى أصله. نحن لسنا مجرد كائنات يعيشون بين الولادة والموت، بل نحن صورة الله. لذلك كلما اقترب الإنسان من الله اقترب من حقيقته، وكلما ابتعد عنه ضاع معنى وجوده. ولهذا يحذرنا المسيح يسوع قائلًا:

“ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟” (مرقس 8: 36).

يمكن للإنسان أن يمتلك الكثير، لكنه إذا فقد نفسه فقد كل شيء. ويمكن أن يبدو ناجحًا أمام العالم، لكنه يبقى عطشانًا إلى المعنى إذا لم يجد الله في قلب حياته.

وفي هذا البحث عن معنى الإنسان، تضع الكنيسة أمامنا اليوم شخص مريم العذراء.

فعيد انتقال العذراء ليس الاحتفال بامتياز أعطي لشخص واحد فقط، بل هو كشف لمصير الإنسان كما أراده الله. ففي مريم نرى الإنسانية كما أرادها  الله منذ البدء. نرى امرأة عاشت الإيمان كاملًا، والمحبة والطاعة كاملة، والانفتاح الكامل على مشيئة الله. لذلك عندما انتهت مسيرتها الأرضية نالت ملء المجد في السماء بالنفس والجسد. فالانتقال يكشف لنا ما يستطيع أن يصير إليه الإنسان عندما يترك نعمة الله تعمل فيه.  وعندما نتأمل في حياة مريم نجد أن سر عظمتها كله يبدأ بكلمة واحدة: ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك” (لوقا 1: 38). في تلك اللحظة لم تخسر مريم حريتها، بل وجدتها. لم تفقد ذاتها، بل اكتشفت ذاتها الحقيقية. لقد صارت إنسانة مكتملة لأنها فتحت قلبها بالكامل لله. ولذلك عندما مدح أحدهم أم يسوع أجاب الرب: “طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها” (لوقا 11: 28).

كأنه يقول إن عظمة مريم ليست فقط في كونها أم المسيح بالجسد، بل لأنها سمعت كلمة الله وعاشت بها. إنها النموذج الأجمل للإنسان الذي وجد معنى حياته في الله.

ومن هنا نفهم أيضًا معنى احتفالنا اليوم بتكريس أخواتنا للحياة الرهبانية.

ففي عالم يسأل: ما معنى الإنسان؟ تأتي هؤلاء الشابات ليقدمن جوابًا نبويًا جريئًا. فهن لا يرفضن إنسانيتهن، بل يجتهدن إلى عيشها بعمق أكبر.  إن التكريس ليس هروبًا من الحياة، بل دخولًا إلى عمق الحياة. ليس رفضا للعالم، بل شهادة لما يحتاجه العالم أكثر من أي وقت مضى: أن الإنسان لا يجد ذاته بالامتلاك، بل بالعطاء، ولا بالأنانية بل بالمحبة، ولا بالاكتفاء بنفسه بل بالانفتاح على الله. إنهن يرددن اليوم مع مريم: “ها أنا أمة الرب.” ويضعن حياتهن بين يدي الله بثقة كاملة، لأنهن يؤمنّ أن من يعطي حياته لله لا يخسرها، بل يجدها. ألم يقل يسوع: “من فقد حياته من أجلي يخلّصها” (مرقس 8: 35)؟

أيها الأحباء، إن انتقال العذراء وتكريس الراهبات يقدمان لنا اليوم صورة متكاملة للدعوة المسيحية. مريم المنتقلة إلى السماء تكشف لنا نهاية الطريق. والراهبات المكرسات يذكرننا ببداية الطريق. في مريم نرى ما يستطيع الإنسان أن يصير إليه عندما يعيش لله بكل قلبه. وفي الأخوات المكرسات نرى الشجاعة التي تقول نعم لله اليوم وتبدأ المسيرة.

إن الإنسان لا يكتمل بالامتلاك، بل بالعطاء، ولا بالنجاح وحده بل بالقداسة، ولا بالانغلاق على ذاته بل بالانفتاح على الله.

 

+ المطران اياد الطوال
15 آب 2026