النيابة البطريركية اللاتينية في الأردن

عظة يوم الاحد الثامن عشر لزمن السنة أ

أيها الأحباء،

يسوع لم يقل لتلاميذه: “تنحّوا جانبًا وسأتدبر الأمر وحدي”، بل قال لهم:  “أعطوهم أنتم شيئًا ليأكلوا.” وكما يلاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم، أراد الرب أن يُشرك تلاميذه في عمله. لقد أخذ القليل الذي كان بين أيديهم، خمسة أرغفة وسمكتين، وباركه وجعله كافيًا للجميع. لم يحتقر القليل، ولم يستبدله بشيء آخر، بل جعل نعمته تعمل من خلال ما قدّمه الإنسان.

هنا نكتشف حقيقة روحية عظيمة:  الله لا يلغي دور الإنسان عندما يتدخل، بل يرفعه ويكمّله.  النعمة الإلهية لا تزاحم الإنسان، ولا تجعل جهوده بلا قيمة، بل تجعل القليل الذي يقدمه قادرًا على أن يحمل ثمارًا تفوق كل توقع.

وهذه الحقيقة تظهر أيضًا في قصة المخلّع الذي بقي ثمانية وثلاثين عامًا طريح الفراش. سأله يسوع: “أتريد أن تبرأ؟ “وقد يبدو السؤال غريبًا، لكن الرب كان يدعو الرجل إلى المشاركة في معجزته. ثم قال له: قم. والقيام هو بالذات الأمر الذي لم يكن قادرًا على فعله!

ومع ذلك، كان على الرجل أن يحاول. كان عليه أن يثق بكلمة المسيح أكثر مما يثق بخبرته الطويلة مع العجز. كان عليه أن يبذل جهد الإيمان. وعندما استجاب، التقت إرادته بنعمة الله، فتم الشفاء. فالمعجزة لم تكن سحرا يُفرض عليه من الخارج، بل كانت نعمة إلهية استجابت لها حرية الإنسان.

أيها الإخوة والأخوات،

كثيرًا ما نرغب في أن يحل الله مشكلاتنا من دون أن نتحرك، أو أن يغيّر حياتنا من دون أن نغيّر شيئًا في أنفسنا. لكن الله يعمل بطريقة مختلفة. إنه يمنح النعمة، ثم يدعونا إلى المشاركة. يعطينا القوة، لكنه لا ينزع منا مسؤولية الاستجابة.

ولهذا نجد أمثلة كثيرة في حياتنا اليومية على هذا النوع من العطاء الإلهي.

فالمعلم الحقيقي لا يعطي التلميذ أجوبة جاهزة فقط، بل يساعده على اكتشاف الحقيقة بنفسه. وعندما ينجح التلميذ يشعر أن النجاح نجاحه، مع أن أستاذه كان السند الخفي وراء هذا الإنجاز.

والأب أو الأم الصالحان لا يعيشان بدل أبنائهما، ولا يحلان كل مشاكلهم نيابةً عنهم، بل يمنحانهم الثقة والتوجيه لكي يقفوا على أقدامهم. فالحب الحقيقي لا يصنع التبعية، بل يصنع النضج.

وفي الخدمة الاجتماعية نجد الفرق بين من يعطي المحتاج مالًا ليوم واحد، ومن يساعده على اكتساب مهارة أو فرصة عمل تعيده إلى حياة الكرامة. الأول يخفف الحاجة، أما الثاني فيمنح الإنسان إمكانية النهوض من جديد.

حتى في العلاج والإرشاد، فإن المرافق الحكيم لا يعيش حياة الآخر بدلًا منه، بل يساعده على اكتشاف القوة التي وضعها الله فيه.

لهذا كان بعض الحكماء يقولون إن أسمى أشكال العطاء هو أن تجعل الآخر قادرًا على العطاء هو أيضًا.

وقد فهم المتصوفون المسيحيون هذا السر بعمق. فالله لا يعاملنا كخدم لا قيمة لهم، بل كأبناء. إنه لا يغمرنا بعطاياه ليُشعرنا بصغرنا، بل ليُظهر لنا كرامتنا. وما أصعب أن يعطي الإنسان دون أن يجرح كرامة من يأخذ! لذلك قيل بحق: عندما تعطي أحدًا شيئًا، افعل ذلك بتواضع كبير حتى يغفر لك المتلقي عطيتك.”

أيها الأحباء،

في سر الإفخارستيا نتعلم أرقى مدرسة للعطاء. نحن نقدم خبز الأرض وخمرها، ثم يعيدهما الله إلينا نعمةً وحياةً وخلاصًا. نعطي القليل فيعيده إلينا أكثر مما نستطيع أن نتصور. وهكذا يعمل الله دائمًا: يأخذ ما بين أيدينا، مهما كان صغيرًا، ويحوّله إلى بركة عظيمة.

فلنسأل أنفسنا اليوم: هل نسمح لله أن يعمل من خلال ما نملك، ولو كان قليلًا؟ هل نتجاوب مع نعمته عندما يقول لنا: «أعطوهم أنتم»؟ هل ننهض عندما نسمع صوته يقول: «قم»؟

إن معنى الحياة المسيحية لا يكمن في الأخذ فقط، بل في أن نصبح شركاء لله في عطائه. فالله قادر أن يُعدّ مائدة في البرية، لكنه يريد أن يستخدم الأرغفة التي نحملها نحن. وهو قادر أن يشفي المخلّع، لكنه يدعوه أولًا إلى أن يحاول الوقوف.

فلتكن صلاتنا اليوم: يا رب، أعطنا نعمة أن نتعاون مع عملك فينا، وأن نتعلم منك فن العطاء الذي يرفع الإنسان ولا يُذله، ويُكرمه ولا يُهمّشه، حتى نصبح أدوات لنعمتك في العالم. آمين.