أيها الاحوة والاخوات الأحباء في يسوع المسيح، لسنا مسيحيين كاملين، بل نحن جميعا خطأة نالوا الغفران. نعلم أن حسابنا مع الله يبقى دائما مثقلاً بالديون، لكننا نفضّل أن ننسى ذلك. وفي المقابل، نحرص على تدقيق حساباتنا مع إخوتنا وأخواتنا، فنُمسك بدفاتر الأخذ والعطاء، ونسعى بشتى الوسائل إلى تصفية ما نراه مستحقًا لنا منهم. لذلك تبقى الأسئلة مطروحة: لماذا يجب أن نغفر؟ وكم مرة ينبغي لنا أن نغفر؟ هذه ليست أسئلة بطرس وحده، بل هي أسئلتنا نحن أيضًا. عندما ظهر السيد المسيح يسوع في تاريخ شعب العهد القديم، كان الشعب قد قطع شوطا طويلا في فهم الغفران. ففي زمن موسى، حاولت شريعة القصاص أن تضع حداً لفوضى الانتقام الشخصي: فلا يجوز أن يكون العقاب أكبر من الضرر الواقع. ثم جاء النبي إرميا، فاتخذ خطوة أبعد، إذ لم يعد يأخذ حقه بيده، بل وضع قضيته بين يدي الله، وإن كان لا يزال يستنجد بعدالته على أعدائه. وفي القرن الثاني قبل الميلاد، أعلن الحكيم يشوع بن سيراخ بوضوح ضرورة الغفران قائلاً: “مَن ينتقم ينله انتقام الرب”. وقد سمعنا هذا في القراءة الأولى. ويمكن تلخيص الأسباب التي يوردها في أمرين أساسيين: كيف نطلب من الله الرحمة إن كنا لا نظهرها لإخوتنا؟ وكيف نرفض الغفران ونحن نتذكّر ضعفنا وفناءنا كبشر؟ قد يبدو أن السيد المسيح يكرر هذه الرسالة نفسها، لكن بطرس يتساءل: هل جاء المعلّم بجديد؟ وهل يتعلق الأمر بعدد المرات التي نغفر فيها؟ لذلك يسأل: “يا رب، كم مرة يخطئ إليّ أخي فأغفر له؟ أإلى سبع مرات؟”. فيجيبه يسوع على الفور: “لا أقول لك إلى سبع مرات، بل إلى سبع وسبعين مرة”. أي: دائما، بلا حدود. ولكي يساعد بطرس على فهم معنى الغفران وأساسه، يروي مثل المدينين. والرسالة واضحة: إن الدين الذي رفض العبد الشرير أن يسامح به رفيقه لا يُقارن بالدين الهائل الذي سامحه به سيده. مرة أخرى، يقود السيد المسيح السامعين إلى جوهر القضية: الله هو مركز كل شيء. فغفران الله هو مصدر غفراننا لإخوتنا ومقياسه. نحن نغفر لأن الله غفر لنا، وما زال يغفر لنا. ونحن نغفر بلا حدود لأن الله يغفر لنا بلا حدود. لقد انشغل بطرس بجدالات الكتبة والفريسيين، الذين كان بعضهم يحدّد الغفران بثلاث مرات فقط. أما هو فظن أنه قد بلغ قمة السخاء عندما اقترح الرقم سبعة. لكن يسوع يكشف له أن منطق الحساب لا مكان له في ملكوت الله. فإذا أصررنا على العدّ، فعلينا أن نتجاوز حدود الكمال البشري إلى ما يفوقه بكثير. وبالتالي تصبح الفكرة: إذا حاولت أن تحسب أربعمائة وتسعين مرة، فستكتشف أنك في النهاية لن تستطيع الاستمرار في العدّ، بل ستغفر ببساطة. ونحن الآن نقدّم قرباننا على المذبح، فكيف لا نتذكر كلمات الرب يسوع: “إذا تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك، فاترك قربانك هناك أولاً، واذهب وصالح أخاك”؟ وفي سرّ الإفخارستيا نتحد بالمسيح الذي، في آلامه، “لم يكن يردّ الشتيمة بمثلها حين كان يُشتم، ولم يكن يهدّد حين كان يتألم”. فلنحفظ هذه الحقيقة في قلوبنا: إن مقياس الغفران هو غفران بلا حدود. وهكذا ينتصر السلام على العنف، والمحبة على الكراهية، والرحمة على الانتقام. آمين.